المقريزي
141
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
عمروا الأرض مدّة ثم صاروا إلى الحفر * واستبدّ الزمان من عاش منهم فلم يذر فهم في الهوان والذل أسرى على خطر * وهم بعد صفو عيش من الذل في كدر يا آل طولون ما لكم صرتم للورى سمر * يا آل طولون كنتم خبرا فانقضى الخبر وقال : مررت على الميدان معتبرا به * فناديته أين الجبال الشوامخ خمار وعباس وأحمد قبلهم * وأين ترى شبانهم والمشايخ وأين ذراري آل طولون بعدهم * أما فيك منهم أيها الربع صارخ وأين ثياب الخز والوشي والحلى * وأربابها أم أين تلك المطابخ وأين فتات المسك والعنبر الذي * عنيت به دهرا وتلك اللطائخ لقد غالك الدهر الخؤون بصرفه * فأصبحت منحطا وغيرك باذخ وقال : مررت على الميدان بالأمس ضاحيا * فأبصرته قفر الجناب فراعني فناديت فيه يا آل طولون ما لكم * فهود فما حلق بحرف أجابني فأذريت عينا ذات دمع غزيرة * ورحت كئيب القلب مما أصابني وإني عليهم ما بقيت لموجع * ولست أبالي من لحاني وعابني وحدّث محمد بن أبي يعقوب الكاتب قال : لما كانت ليلة عيد الفطر من سنة اثنتين وتسعين ومائتين تذكرت ما كان فيه آل طولون في مثل هذه الليلة من الزيّ الحسن بالسلاح ، وملوّنات البنود والأعلام ، وشهرة الثياب ، وكثرة الكراع وأصوات الأبواق والطبول ، فاعتراني لذلك فكرة ، ونمت في ليلتي ، فسمعت هاتفا يقول : ذهب الملك التملك والزينة لما مضى بنو طولون . وقال القاضي أبو عمرو عثمان النابلسيّ في كتاب حسن السيرة في اتخاذ الحصن بالجزيرة : رأيت كتابا قدر اثنتي عشرة كراسة مضمونة فهرست شعراء الميدان الذي لأحمد بن طولون قال : فإذا كانت أسماء الشعراء في ثنتي عشرة كراسة ، كم يكون شعرهم ؟ مع أنه لم يوجد من لك الآن ديوان واحد . وقال أبو الخطاب بن دحية في كتاب النبراس : وخربت قطائع أحمد بن طولون ، يعني في الشدّة العظمى زمن الخليفة المستنصر ، وهلك جميع من كان بها من الساكنين ، وكانت نيفا على مائة ألف دار نزهة للناظرين محدقة بالجنان والبساتين ، واللّه يرث الأرض ومن عليها ، وهو خير الوارثين .